روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

142

مشرب الأرواح

الفصل السابع والثلاثون : في التجلي للعاشق إذا بلغ استغراق العشق وذابت الروح في نيران الشوق علم الحق سبحانه منه فناه في الفراق وألطف عليه بجلال تجليه ، فيتجلى له بمشاهدته ووقعه في بحار أنسه حتى لا يتحرق في العشق والشوق ، ولا يحتجب بغيره من العرش إلى الثرى ، وأن اللّه تعالى بيّن ذلك في قصة موسى عليه السلام أن كمال الشوق تقتضي شروق أنوار الصفات بنعت التجلي : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] حتى قال : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] فأراه نفسه تعالى بعلة الجبل وجعل الجبل مرآة لموسى فنظر إليه منه ففني فيه بنعت الخشوع والغشيان والصعقة ، قال : جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] ، وكذا من أدركه أنوار تجلي الجلال ، قال عليه السلام : « إن اللّه تعالى إذا تجلّى لشيء من خلقه خشع له » « 1 » ، قال النوري : يخلقه بخلقه واستتر بخلقه عن خلقه ، قال السراج : التجلي إشراق أنوار إقبال الحق على قلوب المقبلين عليه ، وقال العارف قدّس اللّه روحه : التجلي ظهور وجود القديم جلّ وعزّ لبصائر الأسرار بنعت كشوف الأنوار وذلك خاصية لأبصار الباطن لأن أبصار الظاهر محجوبة بالعوارض والعلات ، قال عليه السلام : « لو كشف عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه » « 2 » . الفصل الثامن والثلاثون : في التدلّي إذا حصل العاشق مقام التجلي وهو من أهل خاصة الدنو قرّبه الحق من حضرة جلاله ثم يتجلى منه بصفاته تعالى قرب وشهود لا يخبر عنه أحد غير من شاهد اللّه باللّه ، وذلك مقام فيه المحاضرات والمناداة والمسامرات والمشاهدات والمكاشفات والحالات التي لا يجوز كشفها إلا لأهلها ، قال تعالى : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : 8 - 11 ] ، أخبر من هذا المقام مقامات ومكاشفات لا يعلمها غير الواصلين من أهل

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، كتاب الكسوف ، حديث رقم ( 1235 ) [ 1 / 481 ] وابن خزيمة في صحيحه ، باب الأمر بالعتاقة في كسوف الشمس ، حديث رقم ( 1402 ) [ 2 / 329 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، من حديث من اسمه محمد ، حديث رقم ( 6025 ) [ 6 / 139 ] ولفظه : « . . لو رفع الحجاب أخرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره . . » .